تحليل: الأخضر يفلت من فخ بيلسا التكتيكي بتناقض الشوطين
تباينت مشاعر الجمهور السعودي بعد مباراة أوروغواي. البعض شعر بالحسرة بسبب ضياع التقدم عندما سجل عبد الإله العمري، بينما آخرون كانوا أكثر قناعة بالتعادل، خاصة بعد أن سيطر المنتخب اللاتيني بشكل واضح في الشوط الثاني.
صحيح أن الهدف المتأخر من أوروغواي ترك أثرًا عميقًا، لكن الحصول على نقطة أمام فريق يحمل في جعبته تاريخ الفوز بكأس العالم مرتين يمكن أن يكون دافعًا مهمًا لتحقيق حلم التأهل للدور الـ32. يرى البعض أن هذه النقطة تعطي بارقة أمل، خصوصًا قبل مواجهة إسبانيا ثم الرأس الأخضر.
ولما بدأ المدرب مارسيليو بيلسا من أوروغواي بالتعبير عن أسفه لعدم تحقيق الفوز، وتخيله لمباراة حيث كانت لديه فرص لتسجيل “10 أهداف”، اعتبر جورجيوس دونيس، مدرب المنتخب السعودي، أن فريقه أظهر صمودًا يمكنه من “مواجهة إسبانيا” في اللقاء القادم.
كيف نجح دونيس في إضعاف عمق أوروغواي؟
استطاع المنتخب السعودي أن يحقق توازنًا جيدًا في الشوط الأول، حيث كان لديه خطة تقليدية (4-4-2) نجحت في تضييق المساحات في وسط الملعب، مما منع أوروغواي من الوصول إلى العمق.
حافظ “الأخضر” على منافسه بعيدًا عن مرماه، حتى مع استخدام بيلسا لخمسة لاعبين خلف المهاجم داروين نونيز. هذا أدى إلى تقليل معدل الأهداف المتوقعة للفريق اللاتيني إلى 0.39، دون أية فرص هجومية حقيقية.
واستمر السعوديون في تنفيذ خطتهم طوال الشوط الأول، ما مكنهم من خلق فرصتين حقيقيتين، واحدة منهما أدت إلى هدف العمري، مما كان يتماشى مع معدل الأهداف المتوقعة لفريق دونيس الذي بلغ 0.93.
عزلت الخطة السعودية نونيز، مهاجم أوروغواي، بشكل شبه تام، حيث لم يلمس الكرة سوى 8 مرات ومررها ثلاث مرات، مما دعا بيلسا لاستبداله في الشوط الثاني، وهو قرار غيّر مجرى المباراة بالكامل.
وقال بعض النقاد إن التألق الدفاعي الذي أظهره السعوديون خلال الشوط الأول جاء مصحوبًا بتفوقهم في الصراعات الأرضية بنسبة 57%، وفوزهم بالتدخلات الدفاعية بنسبة 67%، وهذا الرقم انخفض إلى 37% في الشوط الثاني.
خطر هجوم أوروغواي ونجاة “الأخضر” من 10 أهداف!
أما في الشوط الثاني، فقد تغير الوضع تمامًا. هجوم أوروغواي تجدد بشكل ملحوظ، حيث سجلوا 22 تسديدة رفعت معدل الأهداف المتوقعة إلى 1.15، بينما كانت 0.06 للسعودية.
هذا التغيير الكبير جاء من تعديل هجومي مهم أجراه بيلسا، حيث طلب من اللاعبين الهجوم من الأطراف، ونجحوا في اختراق الدفاع السعودي، مع وجود عدة لاعبين في كل هجمة داخل منطقة الجزاء لاستقبال التمريرات العرضية.
وفقًا لتحليل Opta، فقد قامت أوروغواي بـ 141 تمريرة في الثلث الأخير من الملعب في الشوط الثاني، بمعظمها في منطقة الجناحين، وبنسبة نجاح بلغت 91%. هذا يعكس غياب أي رد فعل هجومي من السعودية لتخفيف الضغط، بينما ظل الدفاع السعودي صامدًا.
سجلت أوروغواي هدفًا واحدًا من 8 تسديدات على المرمى، وكان في إمكانهم تسجيل المزيد، وهو ما جعل بيلسا يعبر عن رأيه بأن فريقه كان قادرًا على تسجيل “10 أهداف في الشوط الثاني”.
15 تمريرة تكشف سر تراجع السعودية الهجومي
أمام كل هذا، بدا المنتخب السعودي وكأنه استسلم للضغط الدفاعي. فقد اكتفى بـ 15 تمريرة ناجحة فقط في الثلث الأخير من ملعب أوروغواي، بنسبة نجاح لم تتجاوز 56%، مما جعله يفقد تقدمه المعنوي من الشوط الأول.
واعترف دونيس بأن فريقه “لم يمتلك القوة الكافية” لمواجهة أوروغواي في الشوط الثاني، مشيرًا إلى أنه كان بحاجة إلى وجود خطر هجومي لتخفيف الضغط، والذي من شأنه أن يشكل تهديدًا لفريق يعاني للهجوم على تعديل النتيجة.
ورغم اعترافه بقوة هجوم أوروغواي، رفض مدرب “الأخضر” أن يبدو متشائماً، مُشيرًا إلى أن الفضل في جلب التعادل يعود لصلابة دفاعه وحارسه محمد العويس، والذي تصدى لـ 9 كرات، منها 7 في الشوط الثاني، مما يعدُّ أفضل حصيلة لحارس مرمى في المونديال الحالي.
جرس إنذار ودرس قبل مواجهة إسبانيا
تعتبر المهارات الفردية شيئًا غير قابل للتنازل في مواجهة ضغط المنافس، فرغم أن السعوديين قاموا بـ 3 مراوغات ناجحة من أصل 4 في الشوط الأول، إلا أن هذه المحاولات انعدمت تمامًا في الشوط الثاني، مما يقدم صورة واضحة عن الافراط في التراجع للدفاع.
وفي المقابل، اكتفى لاعبو أوروغواي بثلاث مراوغات ناجحة في الشوط الأول، لكنهم يتجهون نحو الزيادة في المحاولات الفردية في الشوط الثاني، وسجلوا 5 مراوغات ناجحة من أصل 7 محاولات، مما يعكس توجيهات بيلسا بالتركيز على الأجنحة لكسر التماسك الدفاعي السعودي في منتصف الملعب.
خرج دونيس بدروس مهمة من هذه المباراة حول كيفية التعامل مع الضغط الهجومي الكبير، حيث يُحتمل أن يتسبب عدم التواصل الجيد مع الأمور الدفاعية في خسارة مدوية في المستقبل، مما يستدعي التفكير في أساليب جديدة، خاصة قبل مباراة إسبانيا القادمة.