إلهام أبو الفتح تكتب عن أسرار لغة الانسحاب

منذ 1 ساعة
إلهام أبو الفتح تكتب عن أسرار لغة الانسحاب

استعرض برنامج صباح البلد على قناة NNi مصر، الذي تقدمه روان أبو العينين وسارة مجدي، مقالًا للكاتبة إلهام أبو الفتح، مدير تحرير جريدة الأخبار ورئيس شبكة قنوات ومواقع “NNi مصر”، تحت عنوان “لغة الانسحاب”.

تتحدث إلهام أبو الفتح عن مشهد انسحاب وفود من قاعة الأمم المتحدة مع بداية خطاب نتنياهو. الواحد تلو الآخر، متتابعين، تفرغ الصفوف أمام الكاميرات. شعرت أن موقفهم كان أكثر تعبيرًا وبلاغة مما قد تم تلخيصه في العديد من البيانات السابقة.

بينما كنت أشاهد المقاعد الفارغة، كنت أفكر في غزة. في أم تسعى لتهدئة طفلها، بينما هي نفسها تشعر بالقلق حيال المستقبل. أو أب يكافح للعثور على طعام لأسرته. وفي طفل اعتاد على صوت الطائرات كجزء من حياته اليومية. كل هذا يوضح لنا لماذا قرر المندوبون الرحيل.

نتنياهو يمكنه الوقوف أمام المنصة وإلقاء خطابه كما يحلو له، لكن تلك الكراسي الخالية وصور مغادرة الوفود كانت رسائل قوية وصلت قبل أن يُختتم حديثه. لقد كانت تلك لحظة من الغضب والرفض، وكذلك تعبير عن التضامن مع البشر الذين ينتظرون أن تُعيرهم العالم انتباهه.

أنا أعلم تمامًا أن الانسحاب هذا لن يُوقف القصف. وفي الوقت ذاته، أفهم مدى أهمية أن يشهد أهل غزة أن العالم لم يعد يقبل ما يحدث لهم. لكن ما أتمناه هو أن تأخذ الدول التي غادرت القاعة موقفها هذا إلى الاجتماعات والقرارات التالية. هؤلاء الناس يحتاجون إلى وقفٍ للحرب، وإمدادات الطعام والدواء، وأمل في الحياة.

عندما يترك دبلوماسي القاعة وهو يعرف أنه من المفترض أن يبقى ويُناقش، مع الأخذ في الحسبان أن النقاشات عادة ما تُدار بالكلمات، إلا أنه اختار الانسحاب. ربما شعر، كما شعر كثيرون، أن تكرار الكلام أمام صور غزة أصبح غير مُحتمل. الأطفال الذين فقدوا منازلهم لا يمكنهم الانتظار لتبرير ما حدث لهم، والأمهات اللواتي فقدن أبناءهن لا يجدن في الكلمات ما يُخفف آلامهن.

الانسحاب جاء من وفود تنتمي لدول مختلفة، وترك أثرًا عميقًا في ضمائر الكثيرين. آمل أن تحتفظ هذه الدول بنفس الشجاعة عندما تنتقل المناقشات من قاعة الجمعية العامة إلى أماكن اتخاذ القرارات الهامة.

يجب أن يستمر الموقف الذي بدأ داخل القاعة خارجها أيضًا. بإمكان تلك الدول الضغط من أجل وقف الحرب، والعمل على تأمين وصول المساعدات وحماية المدنيين، وطرح الأسئلة في كل اجتماع حول ما تحقق على الأرض. ولكن، عندما يغادر المندوب مقعده احتجاجًا، يتحمل مسؤولية العودة لوظيفته بإصرار أكبر على إنقاذ الناس.

شعرت في انسحاب الوفود بغضبٍ كبير كلما وقفت عاجزة أمام أخبار غزة.

كانت لغة الانسحاب واضحة في الأمم المتحدة. لكن معناها سيكون أعمق عندما يصل إلى غزة في يومٍ يبعث فيه الطمأنينة في نفوس الأطفال، ويستطيع الأهل أن يخبروا أبنائهم بصدق أن الغد سيكون أكثر أمانًا.


شارك