من تارانتو إلى لوس أنجلوس: مصر تتطلع لمجد أولمبي جديد من سواحل البحر المتوسط

منذ 1 ساعة
من تارانتو إلى لوس أنجلوس: مصر تتطلع لمجد أولمبي جديد من سواحل البحر المتوسط

جاءت رسالة من سواحل البحر المتوسط، تحمل في طياتها معاني عميقة، رغم أن أرقامها قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى. ما يحدث الآن يُشعر مصر بعبق المجد الأولمبي قبل عدة سنوات من الموعد المنتظر في لوس أنجلوس 2028.

حتى اليوم، حققت مصر 32 ميدالية متنوعة في دورة ألعاب البحر المتوسط بتارانتو. لكن الرقم الذي يستحق التوقف عنده هو 20 ميدالية في الألعاب الأولمبية، بينما الـ12 الأخرى سجلت في رياضة سباحة الزعانف، التي لا تُعتبر ضمن البرامج الأولمبية.

وهنا، القصة أكبر من مجرد ميداليات. فمصر مش بس بتمثل في تارانتو سواء بشكل رقمي أو بالتواجد، بل هي تنافس على الزعامة العربية، وتحاول مجابهة الدول الكبرى في الترتيب، رغم أن هذه الدول تمتلك بعثات أكبر وأكثر عدداً في العديد من الألعاب.

يمكن القول إن واحدة من أهم الرسائل من تارانتو هي أن بعثة مصر قد تكون أقل عدداً، لكنها أكثر فعالية. عند النظر إلى عدد الميداليات التي حققتها مقارنة بعدد المشاركين، نجد أن كل ميدالية حلت تحمل قيمة كبيرة، نظراً لأنها جاءت من منافسات قوية وفي ألعاب تُعتبر جزءاً أساسياً من الحلم الأولمبي.

في رياضة المصارعة، حصلنا على سبع ميداليات من أبرز الأسماء: محمد حسن وسمر حمزة بالذهب، ومحمود فراج بالفضة، وعبد الرحمن هيثم ومصطفى حسين بالبرونز. أما في السلاح، فحققنا خمسة ميداليات، منهم ذهبية لمحمد السيد ومحمد حمزة، وفضة لي يوسف شامل وسارة عمرو. وفي السباحة، سجل عبد الرحمن حريدي ذهبية، بينما حصلت فريدة عثمان ويوسف رمضان على برونزيتين.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فمحمد حسام أضاف برونزية في الملاكمة، ونبيلة علاء الدين حصلت على فضية. كما سجلت ميداليتا تنس الطاولة بذهبية للنساء وفضية للرجال، بينما أضاف عبد الرحمن عبد الغني ميدالية في الجودو. السجل هذا ليس مجرد قائمة بالأبطال، بل هو خريطة مبكرة لحلم أولمبي واعد.

لأن رياضات مثل السباحة والمصارعة والسلاح والجودو والملاكمة وتنس الطاولة ليست مجرد ألعاب، بل هي أدوات يسعى المصريون بها لصنع المجد في المسابقة الأولمبية. لذا، يمكن اعتبار دورة البحر المتوسط كنوع من البروفة الجادة لألعاب لوس أنجلوس. لا تعطي أي ميدالية مسبقاً، لكنها تعكس المستوى الحقيقي للرياضيين وتختبر قدرتهم تحت الضغط.

المثير في الأمر هو أن مصر تتنافس مع عمالقة البحر المتوسط، دول لديها إمكانيات هائلة، بينما تُظهر البعثة المصرية نموذجًا مختلفًا: القوة تكمن ليس في العدد, بل في عودة الأبطال بالميداليات.

ثمرة عمل جماعي

هذا الحصاد الرائع لا يمكن فصله عن الجهود المشتركة بين وزارة الشباب والرياضة برئاسة البطل الأولمبي جوهر نبيل واللجنة الأولمبية المصرية برئاسة ياسر إدريس، الذي هو في الحقيقة مهندس هذا الحلم. يتطلب الأمر تخطيطًا جادًا، والرعاية الصحيحة، وتعاون جميع الجهات المعنية.

الميدالية لا تُصنع في لحظة تتويج اللاعب، بل تبدأ سنوات من العمل والتحضير. يجب أن تكون هناك تنسيق بين المؤسسات بدلاً من أن كل واحدة تعمل في جزيرتها الخاصة. ما نشهده في تارانتو يعكس مدى نجاح هذه الأواصر؛ وزارة تدعم، ولجنة تخطط، واتحادات تنفذ، وبطولات يتحول كل ذلك إلى ميداليات.

عندما تتحقق النتائج على أرض الواقع، يصبح من حق الرياضة المصرية أن تأخذ لحظة لتُقيم ما حققته، ليس للاحتفال فقط، بل للبناء على ما تحقق.

الحلم الأولمبي لا يتحقق بفضل بطل فردي، ولا اتحاد، ولا وزارة بمفردها. إنه عمل جماعي، يبدأ في الميدان وينتهي على منصة التتويج.

ونحن ما زلنا في بداية القصة.

ما تحقق حتى الآن هو فقط فصل من هذا النجاح، وما زالت هناك ألعاب مثل كرة اليد ورفع الأثقال تنتظر المشاركة في تارانتو. كل ذلك يمكن أن يعزز رصيد مصر ويرتقي بها في الترتيب العام.

تارانتو ليست لوس أنجلوس، ولا الميداليات هنا وعد بميداليات أولمبية. لكن، دعيني أقول، إنها مُشير على الطريق.

ومصر، التي تتصدر الساحة العربية وتنافس الكبار، تؤكد أن الحلم الأولمبي ليس محض صدفة.

تارانتو قد أرسلت إشارة.

والآن، تبقى عامان من العمل حتى تتحول تلك الرائحة العطرة للمجد من السواحل المتوسطية إلى ميداليات تتألق في سماء لوس أنجلوس.


شارك